سلسلة الإعتزالات ... من ينتف ريش الديكة ؟

يعترف الفرنسيون بأن الفضل في تألقهم الأخير بالبرازيل، وقبله بنيل كأس العالم يعود لأبناء المستعمرات القديمة، وكذا أبناء المهاجرين في أوروبا، ولا غرابة أن يتحرك اليمين المتطرف ضد هذا التوجّه لأنه يمس بجوهر الأمة الفرنسية ويعرض قيمها للذوبان..

سلسلة الإعتزالات ... من ينتف ريش الديكة ؟
سلسلة الإعتزالات ... من ينتف ريش الديكة ؟

ويذهب المغالون إلى القول إن الهوية الفرنسية في خطر، وأنه لا يوجد توازن بين الألوان، إذ إن الغلبة هي للون الأسود (..)

وعلى رغم أن دعاة التسامح يسعون دائماً إلى دعوة الفرنسيين بكامل أطيافهم إلى التخلي عن المنطق العنصري، والتشبث بقيم الثورة الفرنسيّة.. إلا أن صعود الجبهة الوطنية اليمينية صار يتهدّد كل شيء بما في ذلك منتخب الديكة الذي يمر هذه الأيام باستنزاف غير مسبوق بإعلان عدد من اللاعبين تخليهم عن الألوان الفرنسية.. وهناك من يرى فيه دفعاً متعمدًا للاعبين يدينون بالإسلام، وفي ذلك محاولة لتقليص عددهم المتزايد.

فإذا كان مونديال جنوب أفريقيا شهد إبعاد المدرب دومينيك حينذاك الجزائريا الأصل سمير ناصري وكريم بن زيمة، واعتبرته أوساط كثيرة إقصاء عنصرياً، فإن التصريحات المتتالية هذه الأيام لبلال ريبيري وسمير ناصري وبلال أبيدال بإعلانهم تعليق أحذيتهم الدولية، حركت في الشارع الفرنسي والرأي العام الكروي مشاعر مختلفة، فإذا كان موقف أبيدال " المتزوج من جزائرية أدخلته الإسلام " مفهوماً بسبب إصابته، وتراجع مستواه وتقدّمه في السن واعتزاله أمر طبيعي، فإنّ موقف ناصري نابع من حال غضب بسبب عدم لعبه للمونديال البرازيلي، وإبعاده بقرار تُشتمّ منه رائحة تصفية الحساب، ربما لتصريحاته الرعناء أحياناً، أو لتدخّل صديقته عارضة الأزياء التي تتصرف خبط عشواء، إلاّ أن تراكم ذلك، والوصول إلى الحدّ الذي جعل فيه لاعباً موهوباً يقول: « لقد ندمت لعدم اختياري منتخب الجزائر »، وهو ما شاطرته فيه عائلته التي رأت في لعبه للديكة خطأ في اختيار القلب (..)، وإعلان سمير التخلي عن الألوان الفرنسية لم يرض الجمهور الرياضي الواسع، واعتبروه تسرّعاً من لاعب يمتلك مهارات تفيد منتخب فرنسا في المواعيد المقبلة، وكان على اللاعب أن يقلب صفحة مونديال 2014، ليفكّر في مستقبل أكثر توهجاً، مع بطولة أمم أوروبا التي ستحتضنها فرنسا بعد عامين.. وعدم وجود ناصري يعني خسارة كبيرة للمنتخب الأزرق.

أمّا الضربة القاصمة فتتعلّق بفرانك بلال ريبيري نجم البايرن الذي حرمته إصابة لعينة من لعب المونديال، إذ فاجأ الرأي العام بقرار اعتزاله اللعب دولياً، مما أثار موجة من الغضب في كل الأوساط، واستدعى تدخّل رئيس الرابطة الفرنسيّة لكرة القدم الذي دعا الجناح القاتل إلى إعادة التفكير في قراره، والعودة إلى الديكة التي تراهن كثيراً على أمثاله في أوروبا 2016.. غير أنّ ريبيري الذي أغلق الباب وراءه، ظلّ منذ انتقاله إلى ألمانيا يبتعد شيئاً فشيئاً عن الرّوح الفرنسيّة، فاللاعب أكثر ارتباطاً بعائلته الجزائرية التي دفعته إلى الإسلام، ووقفت بجانبه بعد أزمة الفتاة اللعوب، كان يغيض الفرنسيين حين يتعمّد الرد على أسئلة الصحافيين الفرنسيين باللغة الألمانية، وبعد إصابته عشية المونديال شعر ريبيري أنّ هناك تجاهلاً له، إذ لم يقدّر المشرفون على الكرة في فرنسا جهوده في تأهيل المنتخب، ولم يوجّهوا له الدّعوة إلى مباراة ربع نهائي المونديال، إذ رفضها بطريقة كانت تحمل في طياتها إمكان الذهاب، أبعد من ذلك إعلان الطلاق بالثلاث مع الديكة..،

وبذلك لن تفيد فتاوى ديشان ولوغريت في إقناع بلال بالعودة عن قرار التراجع عنه، وهذا يعني أن على ريبيري أن ينتظر النّداء الغامض الذي ذكره زيدان قبل 10 أعوام.
 

** نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية -عزالدين ميهوبي -